محمد ابراهيم شادي
45
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
المبحث الخامس منهج البحث عن التميز عند ابن أبي الإصبع من يقرأ كتاب ( بديع القرآن ) لابن لأبي الإصبع ( ت 654 ) يدرك أنه كان يسعى إلى تقرير حقيقة الإعجاز ، وأن وسائل البلاغة وضروبها عنده هي المدخل إلى معرفة ما يتميز به القرآن فهذا واضح في كثير من تحليلاته ووقفاته مع أسرار الآيات القرآنية وما فيها من خصوصيات بلاغية كثيرة غزيرة ، فلقد كان يسعى إلى إثبات أن هذا مما يميز الأسلوب القرآني ، وأنه كلام رب العالمين فلا نظير له ولا طاقة لبشر بمثله ، نجد هذا عندما يقف كثيرا مع الجملة القرآنية فيستخرج منها الكم الكثير من الألوان والأسرار البلاغية . لقد كان ابن أبي الإصبع يلوح بما في الآيات التي يتناولها من إعجاز كلما لاحت له الفرصة ، وكان يعتمد في هذا على ضرب من الخبرة والمعرفة بكلام العرب ، والخبرة والمعرفة بأسلوب القرآن بعد أن أدام النظر فيهما طويلا معتمدا في هذا على المعرفة النقدية بعد قراءات طويلة يحدثنا هو بها في مقدمة كتابه " بديع القرآن " . إذ يقول عنه " هو وظيفة عمري ، وثمرة اشتغالي في إبّان شبيبتي ومباحثي في أوان شيخوختي مع كل من لقيته من عقلاء العلماء وأذكياء الفضلاء ونبلاء البلغاء في علم البيان « 1 » وكل من له عناية بتدبر القرآن ونظر ثاقب في نقد جواهر الكلام ، ومن له تمييز بين الذهب : والشّبه " النحاس " من نقود النثر والنظام « 2 » فانظر كيف يعطف النقد والتمييز على تدبر القرآن . ثم يذكر أنه استخلص كتابه من كتب كثيرة سبقته كنقد الشعر ونقد النثر لقدامة والبديع لابن المعتز والعمدة لابن رشيق والنكت للرماني وإعجاز القرآن للباقلاني ورسالة ابن عباد في التنكيت على المتنبي ومآخذه على أبى تمام ونظم القرآن للجاحظ والموازنة للآمدي ، وغير ذلك من الكتب التي تدل على أن ابن أبي الإصبع لم يقتصر على المعرفة بالدراسات القرآنية الخاصة بإعجاز القرآن
--> ( 1 ) يقصد بالبيان مفهومه العام عند أصحاب المدرسة الأدبية والذي كان يساوي البلاغة عموما . ( 2 ) يقصد نقاد النثر والشعر وانظر بديع القرآن ، تحقيق حفني شرف ط 1 / 1377 ه / 1957 م ، مكتبة نهضة مصر .